الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

83

نفحات القرآن

تدار من قبل من هو أعلم بما يفعلون . ولقد جاء نفس هذا المعنى في الآية التاسعة : « وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَاتُظْلَمُونَ » . وكذلك ورد في الآية العاشرة نفس هذا المعنى أيضاً ولكن بعبارات أكثر عمومية وشمولية : « ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّاكَسَبَتْ وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ » . « ووفيت وتوفى ويوفى » كلّها مشتقّة من مادة ( وفا ) التي تعني الوصول إلى الكمال و « توفيه » : بمعنى دفع الشيء بصورة كاملة و ( توفى ) بمعنى أخذ الشيء كاملًا . ويجب أن نذكر أَنَّ القرآن الكريم يشير في بعض الموارد بقوله : « انَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ » . ( الزمر / 10 ) ولكنه يقول في الآيات السابقة وبعض الآيات الأخرى إنّهم يستوفون نفس أعمالهم ، ونحن نقول : إنّه لا منافاة بين الاثنين وذلك للاستفادة من مجموع الآيات الكريمة ، فبالإضافة إلى تعلّق الأجر والجزاء بالأعمال فإنّ أعمال الإنسان تستوفى في ذلك اليوم ، ويمكن أن نشبّه هذه المسألة بالسائق الذي يخالف مقررات المرور فكما أنّه يتعرض لخسارة الاصطدام كذلك يجب عليه دفع الغرامة . ولقد فسَّر الكثير من المفسِّرين هذه الآيات بأنّها كناية عن أخذ جزاء الأعمال ، لكننا نقول : هذا كلام لا دليل عليه بل وكما لاحظنا أنّ هناك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة ( التي سنشير إليها لاحقاً ) تدلّ على تجسّم وحضور أعمال الإنسان يوم القيامة ، لذا فنحن ندع الآيات ومعناها الظاهري . وعلى هذا الأساس نتناول بحث تجسّم الأعمال كما فعل ذلك جمع من أهل التحقيق والتفسير والحديث . وفي الآية الحادية عشرة إشارة إلى الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه ، وكذلك إشار إلى العذاب الأليم الذي ينتظر هؤلاء ، فتذكر هذه الآية بوضوح الدراهم والدنانير التي اكتنزوها ولم ينفقوها في سبيل اللَّه فسوف يؤتى بها يوم القيامة ويحمى عليها